من المجموعة الملكية إلى التراث الوطني

العناية السامية التي يوليها الملك محمد السادس للثقافة والتراث الأمازيغيين

لم تكن الحلي الأمازيغية يوماً مجرد أدوات للزينة، ففي المغرب حملت الحلي والأزياء وأشكال الزينة دلالات تتصل بالانتماء الثقافي، والهوية الاجتماعية، وأدوار النساء، والذاكرة الثقافية. وقد بيّنت مؤرخة الفن سينثيا بيكر في أبحاثها أن الفنون المادية التي أبدعتها النساء، بما في ذلك الحلي والمنسوجات، شكّلت تعبيراً بصرياً حاضراً عن الهوية الأمازيغية.¹

بالرغم من أن الحلي الأمازيغية تحمل قيمة ثقافية عالية، فهي لن تبقى محفوظة لمجرد أنها تعبّر عن ثقافة ما أو تتميز ببداعة صنعتها، فاستمرارها يعتمد على قرارات حكيمة وواعية تتعلق بجمعها وتوثيقها وحفظها وعرضها، وكذلك بالطريقة التي تُروى بها تواريخها وتُقدَّم معانيها إلى الجمهور. ء

من هنا تبرز عناية الملك محمد السادس بالحلي الأمازيغية بوصفها مثالًا مهمًا على الدور الذي يمكن أن يؤديه الاهتمام الملكي في رسم مستقبل هذه الفنون التقليدية وهذا التراث المادي. فمن خلال حفظ الحلي الأمازيغية ضمن مجموعته الخاصة، وإتاحتها للعرض المتحفي، ودعم تقديمها خارج المغرب، أسهم الملك محمد السادس في انتقالها من إطار ملكي خاص إلى فضاءات وطنية ودولية أوسع، من المتاحف المغربية إلى المعارض الدولية. ء

من المجموعة الملكية إلى المتحف الوطني

يتجلى هذا الاهتمام بصورة واضحة في المتحف الوطني للحلي بالأوداية في الرباط. فقد افتُتح المتحف أمام الجمهور في 9 يناير 2023، بعد ترميم مبناه التاريخي وإعداد عرض دائم جديد خُصص في معظمه للحليّ والازياء المغربية. ونُظمت قاعاته ضمن خمسة محاور، شملت تاريخ الحلي وطرق صناعتها، والأزياء المغربية، وحلي الرجال ولوازم المناسبات، والحليّ الأمازيغية، إلى جانب تقاليد صياغة الحلي الحضرية في مختلف مناطق المغرب.²

تشير المؤسسة الوطنية للمتاحف إلى أن مقتنيات المتحف تعزّزت بإتاحة مجموعة الملك محمد السادس الخاصة من الحلي الأمازيغية للعرض.³ ولا تعني هذه الصياغة بالضرورة انتقال ملكية المجموعة إلى المتحف بصورة دائمة، بل توضح أن عددًا من قطعها أُتيح للجمهور ضمن إطار مؤسسي وطني.ء

وتكمن أهمية ذلك في أن القطع المحفوظة داخل المجموعات الملكية الخاصة، رغم ما تحظى به من عناية وتقدير، تظل في العادة متاحة لدائرة محدودة. أما حين تُعرض في متحف وطني، فإنها تدخل ضمن سردية عامة ومنظمة؛ فتُقدَّم إلى جانب قطع أخرى، وتُربط بمناطق وتقاليد محددة، وتُفسَّر في سياق التاريخ الأوسع للحلي المغربية. وهكذا تحتفظ الحلي بصلتها بالمجموعة الملكية، بينما تكتسب في الوقت نفسه حضورًا جديدًا بوصفها جزءًا من التراث الوطني المغربي. ء

الرعاية الملكية والاعتراف المؤسسي

لا تمنح الرعاية الملكية الحليَّ الأمازيغية قيمتها الثقافية؛ فهذه القطع كانت تحمل بالفعل قيمة فنية واجتماعية وتاريخية لدى المجتمعات التي صنعتها وارتدتها وتوارثتها. إلا أن الرعاية الملكية تستطيع أن تؤثر في مستوى الاعتراف العام بهذه القيمة وفي الأطر المؤسسية التي تُقدَّم من خلالها. ء

فعندما تُختار نماذج من الحلي الأمازيغية لتدخل مجموعة ملكية، ثم تُعرض لاحقًا في متحف وطني، فإنها تدخل أحد أكثر الأطر الثقافية حضورًا في البلاد. ويتغير موقعها من تراث مادي متوارث داخل مجتمعات محلية إلى قطع تُقدَّم رسميًا بوصفها جزءًا من التراث الوطني المشترك. ومن ثم، لا يقتصر الأمر على فعل الجمع وحده، بل يمتد إلى إعادة تموضع ثقافي يمنح هذه الحلي مكانًا أكثر وضوحًا داخل الرواية الوطنية. ء

يصف متحف الأوداية الحلي المغربية بوصفها تعبيرًا ثقافيًا يعكس تعدد الهويات الجهوية والثقافية في البلاد، كما يبرز تنوع أشكالها وموادها وتقنياتها المتوارثة.⁴ وفي هذا السياق، تسهم المجموعة الملكية في إدراج الحلي الأمازيغية ضمن الصورة العامة التي يقدمها المغرب المعاصر عن نفسه؛ صورة تعترف بتعدد تاريخه الجهوي وتنوع تقاليده الثقافية. ء

وتكتسب المجموعة أهمية خاصة لأن جانبًا كبيرًا من الحلي الأمازيغية ينتمي إلى التراث المادي للنساء. فقد ارتبطت الحلي باللباس والزواج والمناسبات والوراثة العائلية، كما كانت جزءًا من حضور النساء الاجتماعي والعلني. وعندما تدخل هذه القطع مجموعة ملكية ثم متحفًا وطنيًا، تنتقل جوانب من تاريخ النساء وحياتهن المادية إلى فضاء عام ومؤسسي شديد الوضوح. ء

من الرباط إلى الدوحة

بين 20 فبراير و20 مايو 2024، استضاف متحف الفن الإسلامي في الدوحة معرض «مجموعة الحلي الأمازيغية من القصر الملكي»، بتنظيم مشترك مع المؤسسة الوطنية للمتاحف في المغرب. ووفقًا للمتحف، كانت تلك المرة الأولى التي تُعرض فيها المجموعة خارج المغرب.⁵

وضم المعرض قطعاً تمثل مناطق متعددة في المملكة المغربية، وتقاليد مختلفة في الصناعة، ومواد وتقنيات ومراكز إنتاج متنوعة. كما حرص الخطاب التفسيري المصاحب له على تكريم الحرفيين الذين صنعوا هذه القطع، والنساء اللواتي حافظن على التقاليد المرتبطة بها ونقلنها عبر الأجيال.⁶

وأفادت تقارير مغربية بأن المعرض اشتمل على نحو مئتي قطعة، وأنه أُقيم بمبادرة من الملك محمد السادس. كما افتتح برنامج العام الثقافي قطر–المغرب 2024، وقُدّم بوصفه تعبيراً عن عمق العلاقات التاريخية بين البلدين.⁷

وقد منح انتقال المجموعة من الرباط إلى الدوحة الحلي دوراً إضافياً. ففي المغرب، عُرضت بوصفها جزءًا من التراث المادي الوطني. أما في قطر، فقد أصبحت أيضاً وسيلة لتمثيل المغرب ثقافياً أمام جمهور دولي. وقدمت القطع للزوار تقاليد مغربية متنوعة في صياغة الفضة وصناعة الحلي، إلى جانب جانب مهم من تراث النساء الأمازيغيات. ء

وهنا يتقاطع الجمع الملكي مع الدبلوماسية الثقافية. فلم يخاطب المعرض جمهوره من خلال بيان سياسي مباشر، بل من خلال المادة والحرفة والجمال والعمق التاريخي. وأصبحت الحلي وسيلة يعرض بها المغرب تنوعه الثقافي وتعقيد هوياته أمام جمهور خارج حدوده. ء

منح التراث مستقبلًا أوسع

تكشف رعاية الملك محمد السادس للحلي الأمازيغية عن الدور الذي تسهم من خلاله المجموعة الملكية في تشكيل الذاكرة الثقافية الوطنية. فمن خلال عرض مجموعته الخاصة للمتحف الوطني للحلي بالأوداية، أتاح الملك لقطع كانت محفوظة في سياق ملكي خاص أن تدخل في عرض عام مستمر. ومن خلال تقديمها في الدوحة، أصبحت هذه القطع أيضاً جزءًا من حوار ثقافي دولي. ء

وقد اتسعت معاني هذه الحلي وأهميتها عبر السياقات المختلفة التي عُرضت فيها. فهي لم تعد تُقرأ فقط بوصفها تعبيراً عن الحِرف والهوية الأمازيغية، بل أصبحت في الوقت نفسه جزءًا من سرديات متعددة: سردية ملكية، وسردية متحفية وطنية، وأخرى ترتبط بحضور المغرب في مجال الدبلوماسية الثقافية. ء

ومن ثم، لا تكمن أهمية هذه الرعاية في حفظ القطع المادية فحسب، بل في منحها مستقبلًا مؤسسيًا داخل المتاحف والمعارض والبحث والذاكرة العامة. غير أن ذلك يفرض مسؤولية تتمثل في ألّا تطغى هيبة المجموعة الملكية على تاريخ الأشخاص الذين صنعوا هذه الحلي وارتدوها وحافظوا عليها. بل ينبغي أن تسهم مكانة المجموعة في إبراز الحرفيين والنساء والمجتمعات التي منحت هذه القطع معانيها الأولى، وضمان استمرار حضورهم في القصص التي تُروى عنها. ء

  1. Cynthia J. Becker, Amazigh Arts in Morocco: Women Shaping Berber Identity (Austin: University of Texas Press, 2006).

  2. Fondation Nationale des Musées, “Ouverture des Oudayas, Musée National de la Parure,” press release, January 9, 2023, 1. The release describes the museum’s opening, permanent exhibition and five-part interpretive structure.

  3. Fondation Nationale des Musées, “Oudayas, Musée National de la Parure,” accessed July 19, 2026. The museum states that its holdings were enriched through the availability of King Mohammed VI’s personal collection of Amazigh jewellery.

  4. Fondation Nationale des Musées, “Ouverture des Oudayas.”

  5. Museum of Islamic Art, “Berber Jewellery Collection from the Royal Palace,” exhibition webpage, February 20–May 20, 2024, accessed July 19, 2026.

  6. Museum of Islamic Art, “Berber Jewellery Collection from the Royal Palace.”

  7. SNRT News, “Doha: Clôture de l’exposition de bijoux berbères du Palais Royal,” June 5, 2024.

  8. Museum of Islamic Art, “Berber Jewellery Collection from the Royal Palace.”